الشرفاء أولاد عبد الواحد
ذاكرة الشرفاء أولاد عبد الواحد.

"تفكيك السرد الكراماتي في مصادر النسب الصحراوي: دراسة نقدية لروايات سيدي أحمد المرداني

"تفكيك السرد الكراماتي في مصادر النسب الصحراوي: دراسة نقدية لروايات سيدي أحمد المرداني
توسيع الصورة
Archive

توطئة:

استمراراً في ردودنا، وتكملةً للمقال السابق، نورد هذا المقال الذي في الصورة والذي نُشر قبل حوالي سبعةَ عشرَ عامًا، إذ لاحظنا أنه لم يعد مجرد نصٍ عابر في منتدى إلكتروني، بل تحوّل مع مرور الوقت إلى مادة يَتداولها البعض وكأنها مصدرٌ تاريخي مُسلَّم به أو مرجعٌ موثوق في مسائل النسب والتاريخ. ومن حقنا اليوم من باب "حق الرد العلمي" أن نناقشه ونضعه في ميزان النقد والتدقيق.

نقول رداً على المغالطة الأولى🔴:

1- عنوان المقال يحمل خطأً جسيماً في قوله: (عبد الواحد المرداني).. والصحيح: الشيخ سيدي أحمد المرداني.. المرداني لقب سيدي أحمد المرداني جد عرش المرادين من قبيلة الشرفاء أولاد عبد الواحد، الذي هو الحفيد السادس أو السابع للشريف عبد الواحد بن عبد الكريم بن محمد بن عبد السلام بن مشيش.. جد الشرفاء أولاد عبد الواحد.. ولا وجود لعبد الواحد المرداني ولا لـِمردان، ولا لِـمرداوي! هذا كله لا أساس له من الصحة والمرادين أعلم باسم جدهم. صاحب المقال يقول عن سيدي أحمد المرداني: [...مرداني هذا هو أحد تلامذة ومريدي الشيخ "سيدي أحمد العروسي وقصته أنه كان أعمى ثري يعيش مع قبيلته في الصحراء ولما سمع عن الشيخ "سيدي أحمد العروسي رغب في الذهاب إليه، وفي أحد الايام قال لعائلته: علي الذهاب فقد شممت رائحة سيدي، ثم سار مهتديا بحاسة الشم لديه، وتوجه صوبه دون أن يشك في ذلك ولما وصل إليه طلب منه أن يساعده ببركته ليبصر، فقرأ الشيخ على عينيه ونفخ فيهما، وأبصر مرداوي بإذن الله، وقدم له جارية كانت لديه تعبيرا عن امتنانه واعترافه بالجميل، وهي "كنيبة" التي تزوجها الشيخ، وأصبح "مرداني" يكن للشيخ حبا شديدا حتى أنه رفض العودة إلى أهله وظل مع الشيخ يخدمه ويتعلم على يديه....] اهـ. نقول: من جهة، هذه الرواية لا تثبت عقلاً ولا علماً، ويبدو أنها مستوحاة من قصة سيدنا يعقوب مع سيدنا يوسف عليهما الصلاة والسلام حين قال: "إني لأجد ريح يوسف" عند اقتراب قميص يوسف عليه السلام، وهذه معجزة خاصة بنبي الله يعقوب لا تُقاس عليها الوقائع العادية أبداً. أما تصوير رجل أعمى في الصحراء يعثر على شخص بمجرد (رائحته) من مسافات بعيدة!، فهو مخالف لأبسط قواعد العلم التجريبي: لأن الرائحة جزيئات كيميائية متطايرة تتشتت سريعاً في الهواء، خصوصاً في بيئة مفتوحة شاسعة كالصحراء حيث الرياح والحرارة وعدة عوامل أخرى، وحتى في أقوى الحالات كحريق كبيرٍ مهولٍ، أو انفجارٍ مثلاً، نادراً ما يمكن إدراك الرائحة على مسافة تقارب كيلومتراً واحداً.. هذا في ظروف مثالية، فكيف برائحة شخص على بعد عشرات الكيلومترات مع تمييز الشخص بعينه، هذا غير ممكن فيزيائياً ولا كيميائياً. 2- كما أنَّه -ومن جهةٍ أخرى- سيدي أحمد المرداني لم تكن له قبيلة في الصحراء حينها، فهو الجد الجامع لعرش المرادين من الشرفاء أولاد عبد الواحد، وهو أول من استقر من الشرفاء أولاد عبد الواحد في الصحراء، أي إن استقرار سيدي أحمد المرداني في الصحراء كان سابقاً لرحلة سيدي أحمد العروسي المتواترة عند العروسيين أنفسهم (ننبه إلى بعض الاختلاف في الروايات لكن نروي الأشهر من بينها): [...فقال الولي رحال الكوش البودالي لرفيقه: إن القوات قادمة لاعتقالك وعليك ألا تقاوم وأن تعود معهم إلى مراكش، وسوف تقدم للسلطان الأكحل ويحكم عليك بالموت وسيأخذونك إلى ساحة جامع الفانا لتنفيذ الحكم وعند ذلك تقول هذه الكلمات ثلاث مرات: «عند الواد يحضروا الجواد»، وإذ ذاك سينقذك الله تعالى. وقد نفذ الشيخ العروسي ما قاله الشيخ سيدي رحال. وتقول الرواية أن العروسي بعد فراغه من قول تلك الكلمات شاهد الشيخ سيدي رحال يحلق فوق الساحة ثم انحدر وحمل الشيخ العروسي من حزامه وطار محلقا به في الفضاء في اتجاه الجنوب إلى أن وصل إلى المكان الذي يوجد الآن على بعد كيلومترات معدودة من السمارة فألقى به هناك. وتضيف الرواية أن سيدي رحال قال للشيخ العروسي: لو لم تنقطع تكة السروال لذهبت بك بعيدا عن الناس حيث لا أحد...] اهـ. المصدر: بحث، الولي الصالح سيدي أحمد العروسي في آثار الدارسين، لإدريس نقوري (ص63). 3- إن الشيخ سيدي أحمد المرداني كان مستقراً في الصحراء قبل رحلة سيدي أحمد العروسي مع سيدي رحال الكوش البودالي في الجو مسافة 500 كيلومتر من مراكش إلى الطبيلة، وكان ذا مال وفير كثير ويضع على إبله علامة أكمبور ذات الأصل الصنهاجي الضارب في القِدَم قبل تشكل قبيلة العروسيين وقبل تشكل أولاد عبد الواحد بل حتى قبل دخول العرب لأرض إفريقيا، وكانَ متزوجًا من [مُنّينة بنت معييف] الدُليمية الحسانية الجعفرية الهاشمية القُرَشية، وأنجب منها ذريته المعروفة والتي لا مزيدَ عليها: أبناؤه الذكور: (امْعَيّيف "الابن البكر، أسمَته منينة تيمنا بأبيها معييف الدليمي", سيدي الطنجي: نسبة لمدينة طنجة,عمر, إدريس .) بــنــاتُــه: (فاطمة، أم المومنين ) وكانَ على قدر من العلم والفقه فهو الذي كان يسيح في أرض المغرب العربي طلباً للعلم، ودرس في زاوية الشيخ سيدي أحمد بن يوسف الملياني.. وكان يتمتع بكافة حواسّه من سمع وبصر وشم وذوق ولمس... لا نعلم من أين جاءت هذه الرواية التي تصفه بالعمى والتخبط بحثاً عن البركة والشفاء، والغريب أن صاحب النص يقول إن سيدي أحمد المرداني راح يشم الرائحة ويقول (أشم رائحة سيدي❗) حتى وصل إلى سيدي أحمد العروسي، وهذا لا يقبله عقل ولا نقل، ولو كان سيدي أحمد المرداني أعمى يبحث عن البركة لرجع إلى بني عمه في شمال المغرب يطلب الشفاء، وخاصة الشريف محمد بن علي بن ريسون، وغيره من شرفاء جبل العلم، أو لكان رجع إلى الزاوية المليانية! كما أنه شريف حسيبٌ نسيبٌ سيِّدٌ ليس له سيّدٌ إلا ربه الذي خلقه. ونذكر على سبيل الاستزادة التاريخية: أن هنالك خيمة من شريحة [الصناع/لمعلمين] الكريمة المحترمة، جدهم مدفون قرب سيدي أحمد المرداني، يقال لهم [أهل بركة] سكنوا مع سيدي أحمد المرداني ولطالما كانوا جزءً لا يتجزأ من عرش الشرفاء المرادين، وأحفادهم يعرفون ذلك ويشهدون به إلى يومنا هذا

المغالطة الثانية 🔴:

وفيها تناقض عجيب من صاحب المقال! حيث قالَ آنِفاً إن سيدي أحمد المرداني (الذي يسميه هو عبد الواحد المرداني❗ حيناً ومردان أو مرداوي حيناً آخر) إنه كان ثرياً أعمى سمِعَ بسيدي أحمد المرداني وترك قبيلته ليلتحق به طلباً للشفاء من العمى، ثم هاهو ذا صاحب المقال يعود في نفس النص القصير ليناقض نفسه قائلا إنه فقير يطلب شيئاً من الماشية: [... قال "مرداني" للشيخ: نريد شيئا من الماشية يعيننا على معيشتنا، فقال له الشيخ سيدي أحمد العروسي: افتل لعكل، أي أعد الحبال (العِقالَ)، ففعل مرداني. وبعد انتهائه، قال له الشيخ: اذهب واجمع كل ما وجدت من الوحش، وهو كل ما يعيش في الصحراء من غزال ونعام ومهر...إلخ، وبعدما جمعه أصبح بإذن الله إبِلا، فقال له الشيخ: اعگَل اللي عندك من البل من لعگل والثاني خليه يمشي، أي: اربط ما عندك من الإبل بالأحبال والباقي اتركه يذهب...] فيظهر للقارئ الكريم حجم التناقض الشديد في فقرة قصيرة جداً! لأن هذا كله غير صحيح. فسيدي أحمد المرداني لم يكن فقيراً أبداً، كما لم يكن أعمى إطلاقاً، ولم يكن يتخبط باحثاً عن البركة كما سوّق صاحب المقال، ولم تكن قبيلته قد تشكلت أصلاً حينها فهو رجل من الأشراف من نسل مولاي عبد الواحد بن عبد الكريم بن محمد بن عبد السلام بن مشيش، ترك بني عمه خلفه في شمال المغرب وأجزاء من تافيلالت، وكان ذا إبل وفيرةٍ وخدمٍ ومال، وسيدي أحمد العروسي هو الذي وفد على الصحراء فوجده فيها وليس العكس. وهذا النوع من السرد -مهما قيل فيه- لا يمكن التعامل معه كمعطى تاريخي مضبوط، لأنه يدخل بشكل واضح في النمط الكراماتي الصوفي الذي يشتغل على الرمزية والمبالغة التعبيرية أكثر من اشتغاله على التوثيق التاريخي، وبالتالي فهو من جنس الرواية الشفوية ذات البنية الصوفية لا أكثر، ولا يقوم عليه دليل تاريخي مستقل.

المغالطة الثالثة🔴:

قول صاحب المقال إن سيدي أحمد المرداني كانَ قد طَلَبَ أن يُدفنَ بقرب سيدي أحمد العروسي والحقيقة أن سيدي أحمد المرداني مات ودُفِنَ قبل سيدي أحمد العروسي بنحو ثلاثة عقودٍ من الزمن (30 سنة) حيث توفي بتاريخ 972هـ، ودُفن قربه جد إحدى أُسر شريحة الصُنّاع الكريمة، يقال لهم [أهل بركة] سكنوا مع سيدي أحمد المرداني ولطالما كانوا جزءً لا يتجزأ من عرش الشرفاء المرادين، وأحفادهم يعرفون ذلك ويشهدون به إلى يومنا هذا. أما سيدي أحمد العروسي فقد توفي بتاريخ 1002هـ.

المغالطة الرابعة🔴:

القول إن العلامة [أكمبور] جاءت مطبوعة على فخذ سيدي إبراهيم لخليفي.. وأن سيدي أحمد المرداني كان ينتظر ميلاده بفارغ الصبر وهذا لأنه لم يكن يعرف العلامة التي سيضعها على الإبل التي حوّلها له الشيخ سيدي أحمد المرداني من وحوش (نعام، مهر، غزال...إلخ) إلى إبل.❗❗ فلما وُلِدَ سيدي إبراهيم لخليفي جاء مطبوعاً على فخذه [أكمبور]. وهذه الرواية -مع احترامنا الشديد للموروث الكريم لقبيلة الشرفاء العروسيين- لا يمكن أن يقبلها العقل وإن كانت متواترةً عندهم، لأنها تخالف الثقافة المادية الرعوية (الإثنوأركيولوجيا الرعوية). إذ يرتبط لفظ [أكمبور] بأصل لغوي أمازيغي، وتُشتق التسمية من الجذر (گ، م، ر) في اللسان الأمازيغي، وتُستعمل ألفاظ مثل (ءيگمّريث) بمعنى «وسمه» أو وضعَ عليه أمَارةً، وأگـمّـر بمعنى «الوسم»، وقد تطورت الكلمة صوتيًا إلى صيغتها المتداولة حاليًا مع مراعاة اختلاف لهجات الإخوة الأمازيغ من مكان لآخر. فاللفظ في ذاته يحمل سماتٍ لسانيةً غير عربية، مما يعزّز القول بقدمه وسبقه التاريخي. وقد عُرف هذا الوسم عند بعض القبائل الصنهاجية الكريمة ومن جاورها، ومن ذلك قبيلة "لمهار" الكريمة في مالي وليبيا وجنوب الجزائر، التي اشتهرت بوضعه على موضعٍ مخصوص من الإبل؛ إذ كانت تضعه على أنف الجَمَل علامةً مميِّزة، وقد وقفنا عليه عند أمازيغ شمال المغرب (قبائل بني عروس وغيرها) يضعونه على أبقارهم. إن هذا النص الذي رددنا عليهِ ينتمي في بنيته العامة إلى السرد الكراماتي الصوفي الشعبي، حيث تمتزج الرمزية الدينية بالحكاية الشفوية، وهو أمر مفهوم في سياقه، لكنه لا يصلح وحده كمرجع تاريخي لبناء استنتاجات نسبية أو زمنية دقيقة، إنما يتّخذ من يؤمن به ما فيه من سرديات ويروّج لها كسبيل للاستئناس لا كدليل آكاديمي معترف به.

تنويه:

نؤكد في هذا السياق أننا لا نقصد الطعن في أنساب أي طرف، كما لا نرمي إلى الدخول في أي شكل من أشكال السجال أو الانتقاص من مكانة أي قبيلة، فجميع المكونات القبلية محل تقدير واحترام، ونخصّ بالذكر قبيلة الشرفاء العروسيين بكل التقدير والاعتبار. ومن منظور المنهج العلمي، فإن الآراء البشرية تُقبل وتُناقش وتُراجع، ولا يُسلَّم بها على إطلاقها، إذ يبقى النقد والتدقيق والمقارنة من أسس البحث الرصين. وعليه، فإن هذه الملاحظات لا تنطلق من أي خلفية خصومية، وإنما من قراءة علمية لروايات وردت في هذا السياق، مع ما قد يعتري بعضها من إشكالات تاريخية أو منهجية تستوجب التوضيح. وفي هذا المعنى يُستحضر قول الإمام مالك رحمه الله: «كلٌّ يُؤخذ من قوله ويُرد، إلا صاحب هذا القبر»، وأشار إلى قبر النبي ﷺ. وفي الختام، فإن الحوار العلمي البنّاء لا يُضعف المعرفة، بل يثريها ويُنمّيها، ويمنحها مزيدًا من الدقة والاتزان، بعيدًا عن التبسيط أو التسليم غير الممتحَن. ___________________ •الولي الصالح سيدي أحمد العروسي في آثار الدارسين، لإدريس نقوري (ص63). • منظومة ابن حجاب في تاريخ إمارة الترارزة. • المختار ولد حامد، حياة موريتانيا • شيم الزوايا - الشيخ محمد اليدالي • ولاتة من الحاضر إلى الماضي - سداتي بن بابيه المحجوبي الولاتي. • سلسلة الأصول في أبناء الرسول - القاضي حشلاف • عمود نسب الأدارسة - المريني العياشي • حصن السلام - الطاهر بن عبد السلام اللهيوي. • قاموس اللسان الأمازيغي (شهادات وبحوث أساتذة في المجال).

Preserved in the digital lineage of the اولاد عبد الواحد. Dated: April 16, 2026